رفعت الوسادة عن رأسي و أنا منبطح على بطني ..
ألقيت نظرة بنصف عين إلى عقارب المنبه .. لا يزال هنالك ربع ساعة كي يرن ويوقظني .. لكن النوم طار من عيني كالعادة .. فأغلقت المنبه و تركته يكمل سباته ..
- أصبحنا و أصبح الملك لله ..
نهضت من السرير و اتجهت حيث قضيت حاجاتي .. و هناك في المجلس ..
- صباح الخير يا حبيبي ..
كانت في استقبالي كما تستقبل الأرض شمسها كل صباح .. إلا أنها لم تغب عني يوماً كما تغيب الشمس أحياناً بغيوم غيورة .. تلك هي ابتسامة زوجتي (أماني) تشع بكل الاخلاص و التفاؤل و الأهم بالحب ..
لم تكن (أماني) يوماً ملكة جمال العالم .. و هي ليست بحاجة لتستصغر نفسها مثلهن لتكون جميلة .. فيكفي أنها الأجمل في عيني بلا منازع .. لم تشعرني يوماً بالذنب لأنني اخترتها دون كل النساء ذوات الحسب و النسب و التي بسببهن هجرني أبي لأنني مرغت شرف العائلة الكريمة !..
في حين أن أمي المرحومة باركت هذا الزواج .. هي من اختارتها لي .. لقد رأت فيها جمال الخلق و الدين ..
تغار علي .. و من ماذا !؟.. من أذهب لصلاة الفجر مع الجماعة !؟ .. فلم تتخلف عن ايقاظي وقت الأذان كي تحظي بالصلاة خلفي و الاستئثار بتلاوتي ..
- يبدو أنك لم تعد بحاجة إلى المنبه بعد الآن يا حبيبي ..
بادلتها البشاشة :
- يمكنك قول ذلك .. فأطفال جارنا الشيخ (أبوغازي) لم يتركوا للمنبه فرصة ليؤدي واجبه بأصواتهم النشيطة ..
بهتت ابتسامة (أماني) ما إن التقطت أذنها كلمة (أطفال) .. شعور متبادل آخر .. ذلك الشعور الذي ينقبض له قلبي حسرة .. رفضت و لازالت باصرار أن يذهب أي منا إلى الطبيب كي يكشف عن المتسبب في حرمانها من الحمل .. أفضل ألا يشعر أحدنا بالذنب تجاه الآخر و إن مضى ثلاث سنوات على ارتباطنا .. استعادت ابتسامتها المشرقة :
- هيا قبل أن يبرد الافطار ..
قد أكون من القلائل في هذا العصر الذين لم يتذمروا من روتين الحياة المتصلب .. لعل الاستقرار المالي و رضا كلينا بما قسمه الله هما أهم سبب ..
- الحمدلله .. أدمها علينا نعمة ..
أحست (أماني) بغصة في حلقها عندما نهضت عن الطاولة و عبرت عنه :
- (أحمد) !.. ألم يعجبك الإفطار !.. أعد لك غيره لو أحببت ..
بادرتها بالرد :
- أوه .. لا أبداً .. و لكني أنوي أن أترك فراغاً في معدتي لكعكة الفتى (عبده) ..
- إذا كان الأمر كذلك فلا لوم عليك .. و لا تنسى أن تطلب منه أن يحضر إلي .. لدي بعض الترتيبات المنزلية و أحتاج لمساعدته ..
أومأت لها برأسي فهذا أقل ما سأفعله كي أعوضها عن حاجتها في الأمومة ..
خرجت من الشقة بعد أن استودعتها و قبل أن أدرك السلالم استمتعت بمراقبة أطفال جاري (أبوغازي) و هم يتثأبون بتثاقل حاملين حقائبهم الملونة للحاق بالمدرسة .. ابتسمت فأنا أعرف تماماً هذا الشعور .. فحتى الأطفال لا يحبون الالتزام مع الحياة .. ألقيت السلام على جاري .. فعلت الواجب معه و إن كنت أعلم أنني لن انتظر منه ابتسامة صباحية ..
و تحت العمارة أمام الشارع .. اعتزلت العصافير الغناء مع احتدام المنافسة بصخب البشر .. اتجهت إلى حيث تنتظرني سيارتي العتيقة .. و كالعادة لم تسلم من عبث الصغار.. لم تتمكن بعد من فرض احترامها عليهم أو العكس .. كتمت غضبي فهذه المرة زاد الأمر عن حده .. لقد أفرغ أحدهم الهواء من إطارها !.. أسرعت بتغييرها لألحق الدوام ..
- السلام عليكم يا أستاذ (أحمد)..
تركت ما بيدي دون إبطاء و استدرت ناحية الفتى (عبده) و قد أسكن غضبي لا شعورياً :
- و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته .. هكذا أفضل ..
أومأ برأسه :
- و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته ..
- جيد .. خلت أنك ستنسى كعكة الصباح ..
قدم لي الكعكة فأعطيته المقابل دون نقص أو زيادة .. نعم لن أكذب عليكم .. فقد أحببت هذا الفتى المسكين لحاجة في نفسي .. احتقر الحاجة التي دفعته ليتخلى عن برائته في سبيل لقمة العيش الصعبة ..
انطلقت بالسيارة و بدأت أسرع مضطراً لأدرك الدوام .. فمديري لم يعتد تأخري عن الدوام .. يقال أن الانطباع السيء يتغير بسهولة إلى الأحسن .. في حين أن الانطباع الحسن يبهت بسهولة بمجرد هفوة أدمية .. أو العكس فالكلام ليس على مسؤوليتي .. المهم أنني لا أريد أن أفقد سمعتي على حساب مبادئي .. كانت الاشارة خضراء على بعد بضعة أمتار .. فزدت الضغط على دواسة الوقود قبل أن تحل الاشارة الحمراء مكانها .. تحولت لصفراء فزدت السرعة أكثر .. لم تلبث أن احمرت فتمالكت نفسي و دست على المكابح ليحمني الحزام من الاندفاع نحو الزجاج وكذلك من ..
اييييييئ .. طاااخ ..
يا إلهي لطفك .. يبدو أن شيطان السرعة لم يكن يغويني وحدي .. لقد أغوى أحدهم و جعله يقطع الاشارة الحمراء و يتسبب في حادث مروري شنيع .. هذا يعني أنني سأتأخر في كل الأحوال ..
*****************
بالكاد استطعت أن أجد حيزاً لأوقف سيارتي .. ليس لأن المواقف ضيقة .. بل لأن البشر لم يعد يجيدون إيقاف سيارتهم كما يجب .. فلا أستغرب السهولة التي صارت تنال بها رخصة القيادة !..
و داخل الشركة حيث أعمل كمهندس معماري .. توقفت على قمة الدرج على مقربة من مكتبي .. في محاولة للحفاظ على هدوئي و التسلل كجاسوس المهمة المستحيلة .. لا تسألوني عن السبب لو لم يحدث ما أخشاه ..
- أيييييي .. يدي يدي ..
- أي أي أي !.. تباً للكنتاكي و وجباتكم السريعة يا شباب هذا الزمن !؟..
هذا هو العم (مصطفى) فراش الشركة و قد لوى ذراعي .. و هو صاحب أثقل أنواع المزاح في العالم !.. يتحين أصغر فرصة للإيقاع بي في دعاباته ..
- يا صباح الخير !.. أعطيك راتبي كله لو تركت مزاحك ليوم واحد فقط ..
رغم ذلك فلن أنكر أن العم (مصطفى) هو ضحكة المكان و مبيد الكآبة .. مع أنه بحاجة لبعض من دروس اللباقة ..
دخلت مكتبي و ألقيت السلام .. فأما الأول على يمني فالنوم يعذره .. و أما الثاني على يساري فأنت تظنه لم يحضر بعد .. بما أن مكتبه فارغ !.. اتجهت إليه و أنا أعلم أنه مختبئ تحت مكتبه يتصفح إحدى الجرائد السياسية و هو مشبع منها بما فيه الكفاية .. فهذا هو زميلي (أبوفرحان) .. و المصاب ب(فوبيا السياسة) .. ما يجعله يظن أن الحياة لا قيمة لها بما أن السياسة ستجعل حياتنا على شفا حفرة .. و لا يزال يخبرني أن ابنه هو رئيس وزراء هذه الدولة .. و هو ما يجعله مستهدفاً و عرضة للقصف في أي لحظة !؟..
- شن شن .. شنكوووتي ..
دعكم الآن من (أبي فرحان) مع وجود زميلي الآخر (حاتم) و الذي أيقظته نغمة هاتفه الموسيقية و كأنه لم ينم من الأساس ..
- أهلااااااًً يا عسولة .. طبعاً لم أستطع النوم و أنا أفكر فيك ..
لو أنه يعوض عن نقص عاطفي بمغازلة بنات الناس لربما عذرته .. و لكن أن يكون متزوجاً فهذا ما أسميه .. أمممم .. لست مجبراً على اقناع أحد بأخذ نصيحتك مادام أعند من عناده ..
انشغلت في عملي بمراجعة بعض الخرائط و الأوراق .. انتشلني من انشغالي وجود أحد المراجعين مر على وجوده ما يقرب على الخمسة عشر دقيقة و هو يحاول جاهداً و متردداً أن يقنع (حاتم) بالإطلاع على معاملته و هذا الأخير مشغول بهاتفه فيهشه في مقابل ذلك .. أشفقت عليه فعرضت المساعدة .. فأقبل إلي بلهفة و تردد .. ألقيت نظرة على معاملته و أشرت إلى المكان الذي يجب أن يأخذ منه التوقيع في أقل من دقيقة !.. شكرني بكل السعادة التي استجلبها .. ثم عاد إلى تردده عندما دنا مني و قدم لي رزمة عشوائية من الأوراق النقدية !.. نظرت إليها بتوجس ثم أعدتها إليه بحزم و أنا أهمس :
- مالذي تحاول فعله ؟.. أبقي مالك في جيبك ..
أجابني بثقة هذه المرة :
- سمها ما شئت .. فقد أخبروني أن شيئاً في هذا المكتب لا يسير بدون واسطة أو مال ..
زفرت بحرقة فصرفته باحترام و قلبي ينعي مبادئي المنقرضة ..
عرفت لماذا ظللت رهن هذا الكرسي و المكتب طوال سنين عملي في حين أن بعض المستجدين يصعدون أمام عيني .. لأنني أفتقد لهذين الدوائين السحريين أو أرفضهما .. ننتقد دائماً الفساد في حكوماتنا و لم ندرك أنه عقاب من ربنا على فساد يختبئ في داخلنا و إن كانت مجرد نقطة لا نلقي لها بالاً ..
عدت لعملي .. و هذه المرة أيقظني .. بل أفزعني صفعة عنيفة على طاولتي و هي دعابة اخرى من دعابات العم (مصطفى) !..
- يا ربي .. ماذا فعلت في هذه الدنيا كي تسلط علي هذا الرجل ..
أدرك أن اثارة غيظي تشكل نوعاً من المتعة للعم (مصطفى) .. و لي أيضاً لو رمتم الحقيقة بيد أنني لن أصارحه بذلك كي لا يتمادى أكثر مما هو متمادٍ ..
رد علي العم (مصطفى) بجدية نادرة :
- كفى مزاحاً .. المدير يطلبك ..
ابتلعت ريقي ارتباكاً و أنا أجزم أن التأخير هو ما يريد أن يؤنبني عليه .. فقمت إليه بسرعة و عقلي يختلق ألف عذر و عذر ..
******************
لن أتستر بورقة الكذب و نار الحقيقة تحرقها !.. هذا بالضبط ما سأعلله لمديري :
- إنها ظروف خارجة عن إرادتي .. سأحاول ألا تتكرر ثانية ما ..
قاطعني المدير بأدبه :
- استرح يا (أحمد) .. و أي ظروف تلك التي تتحدث عنها ؟
تشتت أفكاري و أيقنت بحتمية الاعتراف :
- إنهم أطفال الحارة الأشقياء .. لقد أفرغوا الهواء من اطار سيارتي و ..
أغمض المدير عينيه و عقب بلباقة :
- آه .. كلا .. ليس التأخير هو ما طلبتك من أجله .. سنؤجله لموضوع آخر ..
حبست إحراجي داخل وجه بدا كتفاحة حمراء .. فقررت مسايرته لم يريد :
- اسمع يا مهندس (أحمد) .. أو ابني لو لم تمانع .. أنت رجل كما هو معروف عنك صاحب خلق و دين .. متمسك بمبادئك السامية .. و أيضاً مستقر مادياً ..
اكتفيت بإماءة من رأسي بانتظار ما سيسفر عنه حديثه المنمق هذا .. فتابع :
- سمعت أن زوجتك لم يكتب لها الله أن ترزق بأولاد !..
كان هذا آخر ما توقعته .. و في نفس الوقت أكثر ما أثار غيظي و إن صدر من أعز الناس لي .. كل ما أبديته أن وقفت معلناً انتهاء النقاش بيننا بكل احترام .. أدرك المدير هذا و توقعه فحاول أن يهدأ من روعي و أن استمع إليه حتى نهاية حديثه .. وافقت على مضض لعلي أكون مخطئاً في الحكم .. فتركته يتابع :
- لم أجرك لهذا الحديث لو لم أكن واثقاً من رجاحة عقلك .. و أنك قادر على الموازنة بين العاطفة و العقل .. ما أطلبه منك ليس حراماً بل ستجازى عليه لو كنت سبباً لسعادتكما .. فماذا قلت ؟..
لم أرفع عيني عن الأرض و استعرت منها صمتها .. فأخذها المدير علي مأخذاً ايجايباً :
- جيد .. فالسكوت علامة الرضا .. يمكنك أن تغادر الآن إلى بيتك .. و تتجهز هذا المساء .. سأكون أنا و ابنتي المرتقبة بانتظارك ..
خرجت من عنده و قد انقلبت حالتي 180 درجة .. و أول شيء خطر على بالي ترقب إزعاج العم (مصطفى) كي أوقفه عند حده مع أعصابي الثائرة ..
صفعة غادرة على قفاي هي مزحة العم (مصطفى) التالية .. عندها أمسكته من معصمه و بكل ما اعتمل في صدري من المقت :
- اسمع أيها العجوز النحيل القصير .. لو رددت على مزاحك الأحمق بالمثل لجعلتك مثلك مثل ورق الحائط سواء .. فدعني و شأني ..
لم تغيره ثورتي قيد شعرة :
- هههها .. افعل لو استطعت حتى يقولوا استقوى على العجوز ..
فعلاً معه حق و الأمر أيضاً لا يستحق .. فأشحت عنه و تابعت طريقي قبل أن يستوقفني باستفزازه :
- طبعاً لن تقدر علي أيها الجبان .. اذهب .. وك وك وك ..
تابعت طريقي دون أن ألتفت هنا أو هناك .. لكن ابتسامة ولدت في أعماقي كانت تقول :
- جزاك الله يا عم (مصطفى) على خفة دمك .. لا حرمت منها ..
******************
لا أظنني شعرت بالحيرة كما شعرت و أنا في طريقي إلى شقتي ..
فكيف سأجرؤ على إعلامها بأمر كهذا !.. كيف !.. ألا أنبأني أحدكم !..
فكرت أن أجلب لها هدية لأرطب الأجواء .. فالعين إذا شبعت استحى اللسان .. أو كلا انسى الفكرة .. فلا حاجة للنفاق في أمر كهذا .. مع أن نظرة إلى التقويم و ربطها بجيب خاوي سيكشف واقع الحال !؟..
ألقيت علي زوجتي السلام .. فردت علي بفتور غريب عنها .. لأن حنانها طغى عليه و هي تغمر في أحضانها (سعيد) الابن الأوسط لجاري (أبي غازي) و هو يمسح دموعه اليأسة عندها ..
جدير بالذكر أن هذا المنظر ليس جديداً علي .. فقد اعتاد هذا الفتى أن يحاول لفت الاهتمام لنفسه عبر أخته الصغرى لينال عقاب والديه في المقابل .. فلا يجد ملجأً له سوى أحضان (أماني) .. لم يمضي الكثير على دخولي حتى سمعت طرقاً صاخباً على بابي .. و هو ليس جديداً أيضاً !؟ ..
- مرحباً أيها الجار العزيز .. تفضل .. ماذا تحب أن تشرب ؟
لا أعلم كم ستكلفه ابتسامة صغيرة و لو بالمجاملة .. لقد طرح كل فروض الأدب و الاحترام أرضاً بصياحه الهمجي :
- أيها الشيطان .. (سعيد) لا أسعد الله لك يوماً .. تعال إللي حالاً ..
اختبئ الفتى البائس خلف (أماني) و قد سترت شعرها بحجابها .. ثم استولت عليها جرأة لم اعهدها حين ردت على عنفه :
- اتق الله في ابنك .. لن أدعه يعود إليك حتى تقلع عن تعذيبه ..
غض الجار طرفه و جذب إلى رئتيه أنفاس الشر و هو موشك على الرد العنيف .. لكنه سلط غضبه علي عوضاً عنها :
- اسمع يا هذا .. لن أضع عقلي بعقل امرأة .. فإما أخرستها أو ..
لم أدعه يكمل استفزازه لأنه تجاوز كل الحدود .. فأخرجته بالقوة و لم أعطه فرصه لإبداء تذمره :
- اسمعني جيداً أيها الجار .. لقد تجاوزت كل الحدود و أنت في داري .. أنصحك أن تستعيذ بالله و تعود إلى دارك حتى تهدأ .. ثم سنعيده إليك كما كان .. و أظن أنك تثق بأننا لن نأكله ..
يبدو أنني أغلقت عليه كل المنافذ .. فما عساه أن يضيف فوق ذلك .. اشاح عني نحو داره دون أن يمنعه لسانه من قول :
- لك هذا .. و احتفظ به لو شئت .. فلدينا من الأبناء الكثير و الحمدلله ..
لقد استقصدني و زوجتي و لاشك بهذا العبارة الملغمة .. جارحة بحق !.. و لكن لأن كلامه مردود عليه فلن أتنازل لأرد .. أغلقت الباب ورائي و طلبت من (أماني) أن تأخذ الفتى إلى غرفتنا أفضل ..
جلست على أقرب مقعد .. و انتابتني لحظة تأمل في تعقيد الحياة .. فهذا الجار قد ملك كل مفاتيح السعادة .. لديه المال و الأبناء و مظهره يوحي لك بالصلاح .. ولكن !.. ياللعجب !.. قد يكون هو مجرد شذوذ للقاعدة .. أو أن القواعد في هذا العصر هي من تشذ عن نفسها .. لا أدري حقاً !..
تذكرت أن الذي قادني لهذا الموضوع هو موضوع آخر .. موضوع يخص حياتي و حياة (أماني) ..
وجدت الفتى و قد غط في سبات آمن على السرير .. مما أتاح لي فرصة أكبر كي أفاتحها بالأمر .. استجمعت شجاعتي :
- بالمناسبة يا حبيتي .. أنا ذاهب هذا المساء لحضور موعد مهم ف..
لم تدعني أكمل كلامي حتى !.. فاتجهت إلى الخزانة و أخرجت أفضل حلة لدي لتشرع في تجهيزها و جعلي أبدو في أجمل مظهر .. عندها بدأت أستحقر نفسي أمامها .. على جحد نعمة لا تقدر بثمن .. فلم أنبس ببنت الشفة .. و كيف سأجرؤ !..
*****************
استقبلني المدير في بيته الفخم على أكمل وجه ..
شعر كلانا أن المقدمات غدت ضيفة ثقيلة بيننا .. فدخل المدير صلب الموضوع مباشرة .. فنادى على ابنته :
- (غاده) .. (غاده) .. لقد جاء العريس ..
لم أعرف قيمة ما يسمى بالرقابة إلا الآن .. و تمنيت لو حذفوا كلمة (عريس) تلك ..
- (غاده) .. عزيزتي لا تخجلي هيا ..
شعر الرجل بشيء من الاحراج فتنحنح و استأذنني ليأتي بها بنفسه .. و بعد بضعة دقائق أضف إليها كمية من الصخب ..
دخلت هي !.. معذرة لو أنني تجاهلت ذكر أبيها في العبارة السالفة .. و لكنها !.. أدركت لماذا اختار الشعراء القمر بالذات ليتغنوا به .. ماذا يعني أن ظلام الدنيا جمعاء غير قادر على تبديد نور شمعة واحدة .. ظللت واقفاً .. تحرجت فاكتفيت باستراق النظرات بين الفينة و الأخرى .. حتى طلب منها أن تصافحني دون خجل .. فمددت لها يدي و تأخرت هي حتى صافحتني كسمكة ميتة .. جلسنا جميعاً .. لم يكن أبوها بحاجة أن يعلمه أحد أنه غير مرغوب به حالياً على الأقل .. فتركنا وحدنا .. لملمت رجولتي و رفعت لها رأسي و بجرعة من الرسمية :
- احم .. كيف الحال ؟
لم تكن كأنها متنبهة لوجودي أساساً حتى بادرتها بالكلام .. فالتفت و نظرت إلي .. بعبارة أدق رمقتني من قمتي حتى أخمصي .. و كأنها تبحث عن شيء في يستحق نظرها .. و حين لم تجد و .. استيقظ حماسها فجأة عندما رن هاتفها المحمول .. فأخرجته دون تردد و هبت مبتعدة و كأنني لم أكن سوى أحد تلك المقاعد مالم أكن أسوأ !؟..
- ماذا قلت يا بني ؟.. هل نقرأ الفاتحة ؟..
قالها و هو يستودعني على عتبة الباب .. لكني أجبته بثقة :
- أفضل عدم التعجل بالرد .. امنحني بعض الوقت للتفكير ..
و لم يكن بمقدوره مجادلتي في هذه ..
******************
لا أعلم !..
هل أنتقد مديري أم أشفق عليه لأنه يريد أن يتخلص من ابنته بأي طريقة .. يريد ان يصطاد عصفورين بحجر .. أسعدني ثقته بي لأنه اختارني بالذات كي أناسبه .. أظنها ثقته بقدرتي على تقويم اعوجاجها .. مهلاً !.. أظنني أيضاً سأصطاد عصفورين بحجر .. إنها جميلة و أملك فرصة للإنجاب منها و ..
- (أحمد) .. حرام عليك ألا تريدني أن أنام ؟
شردت بفكري لدرجة أنستني أن زوجتي ترقد بجانبي .. افترضت أنها قرأت أفكاري لذا قررت أنا أمازحها لأخرج من دائرة الشك :
- أسف يا حبيبتي .. و لكنك تقولين دائماً أن شخيري يمنعك من النوم .. فمالذي تغير ؟..
- تغير أن شخيرك بات بالنسبة لي كأغاني (أم كلثوم) ..
مع انه تشبيه غير مستساغ أو ربما مجاملة عفيفة .. إلا أنه جعلني أضع (أماني) في كفة و نساء العالم كلهن في كفة لوحدها .. سحقاً لي لو فكرت في أحد غيرها ..
***************
يوم آخر في مكتبي ..
لا معنى للحياة لو سارت على نمط واحد لا يتجدد .. و أول تغيير لمحته كان زميلي (حاتم) و قد عزز دخان سيجارته مظهره اشتعالاً و هو يجمع أغراضه من مكتبه .. هرعت إليه مستعلماً فردني بجفاء .. لولا أن واصلت إلحاحي .. فاستجاب بتأفف :
- لقد طردني هذا المدير لأنني كنت أعاكس ابنته الساقطة ..
- كيف تجرؤ على نعتها بهذا الوصف !..
لم يكترث (حاتم) لانفعالي فعقب ببرود :
- اسمع يا صديقي .. مع أننا لم نتفق يوماً .. إلا أنني أجد نفسي مجحفاً لو لم أقدم لك هذه النصيحة .. في هذا الزمن لو فضلت على طيبتك الحمقاء تلك فمن الأفضل أن تبحث عن ثلاجة تسعك و تجمدك ريثما يأتي زمن للطيبين ..
قد تكون هذه النقطة البيضاء الوحيدة في علاقتنا ..
- بالمناسبة يا صديقي .. سأحاول أن أرد لك الدين في أقرب فرصة .
هذا ما جنيته من هاتفك و مغازلاتك .. شكراً على النصيحة ..
ودعنا بعضنا البعض على أمل اللقاء .. مجرد لقاء ..
جاءني من بعدها زميلي الآخر (أبوفرحان) و قد خرج أخيراً من اعتكافه .. بدا متحمساً لاطلاعي على فكرة ما بصوت أقرب للهمس :
- استمع إللي جيداً .. الأرض ستنتهي قريباً نتيجة حرب نووية .. أنصحك أن تحجز رحلة إلى القمر من الآن .. الأمر لا يزال سرياً .. لقد نصحتك لأنك صديقي ..
أحمد الله أن السياسة هي آخر ما سأزعج رأسي بها ..
هناك ضيق ما بداخلي ينبئني بوجود خلل ما لا أعرف سره .. ما هو يا (أحمد) ماهو ؟ .. يا إلهي كيف لم أنتبه .. لم أحظى هذا الصباح بإحدى دعابات العم(مصطفى) .. أين اختفى هذا الرجل !؟..
*******************
مضيت في رواق المستشفى و أنا اتجه مباشرة إلى تلك الغرفة حيث قيل لي أن العم (مصطفى) يرقد فيها !..
يرقد فيها لأنه أنقذ صبياً من موت يتحدقه تسبب به أحد هؤلاء المراهقين الذي ملكوا سيارة دون أن يبذلوا لها قطرة عرق .. فصاروا يمارسون متعتهم على حساب النفوس الآمنة ..
دخلت عليه و أن غير مصدق أن مضخة النشاط و المرح قد تعطلت !.. اقتربت منه أكثر .. جثوت على ركبتي .. و أحطت يمناه بكفيا .. كي أشعر بحرارة مرحه تشعلني .. بل تؤلمني لأنني شعرت بأصابعه تضغط على يدي .. فاستيقظت من عواطفي و قد لمحت ضحكته النشيطة تتراقص :
- هل حسبت أنني سأدعك تفلت اليوم دون دعابة !..
امرح معي كما تحب و لكن إياك ان تتخلى عني .. هذا ما جال في خاطري و أنا اعناقه بين أضلاعي .. عناق الأب لابنه ..
و كي أقتل الملل فتحت موضوعاً للنقاش .. سألته بحكم خبرته في الحياة :
- عمي .. نصحني أحدهم بأن ارتبط بواحدة أخرى لعل الله يرزقني منها بأبناء مما حرمت من (أماني) .. فما رأيك ؟
لم أجد رأسي إلا و قد انجذب عنوة للأمام حين جذب العم (مصطفى) أذني بأصبعيه :
- أيها الشقي .. هذا ما كنت تخبئه عني طوال الوقت ..
تجلدي يا أذني مؤقتاً من أجل العم (مصطفى) .. لم يلبث أن تبدلت تجاعيده المرحة لجدية لم أعهدها !.. جدية ظهرت في كلماته :
- سامحني يا (أحمد) .. سامحني على كل لحظة مقتني فيها .. لكن اعلم أنني لم أفعل ما فعلته لو لم أكن أحبك و اعتبرك بمثابة ابني الذي لم أحظى به يوماً .. و أما بشأن موضوع الارتباط بواحدة أخرى .. فلن يكون ناصح لك خير من ربك و نفسك .. لكن لو فعلتها .. فإياك ألآ تأخذ إذن زوجتك و قبولها .. أعلم يا بني أن البيت الذي لا طفل صغير يؤنس وحشته أوشيخ كبير يرفع قدره .. فهو بلاشك (بيت ميت) ..
بحروف من ذهب سأحفر كلماته في ذهني .. لقد نطق بالحكمة التي فاقت عمري أضعافاً أضعافا .. جزيت خيراً يا عمي ..
استعاد مرحه .. فأشار إلي أن أعطيه يدي :
- هات يدك و بارزني في لعبة الأذرع .. لأريك من الأقوى هنا ..
قربت طاولة من السرير و استندت بمرفقي ملبياً تحديه الذي استفزني .. استهنت بقوته فتركت يده تميل بيدي إلى أقصى زاوية دون أن تلامس السطح .. حاول مراراً فعجز و قد استمعت باثارة دمه .. فلجأ للحيلة بأن رفع مرفقه عن السطح .. صحت زاجراً به :
- هيه .. هذا غش !..
ضحك بلا مبالاة فضرب بظهر كفي السطح ليعلن فوزه علي .. في حين أنني نقمت عليه فرفعت يده لأدعوه لجولة أخرى .. لكن يده ظلت على حالها عندما أعلن العم (مصطفى) هزيمته أمام مشيئة الله ..
رحمك الله يا عمي .. فقد حافظت على ابتسامتك حتى الثانية الأخيرة من حياتك ..
*****************
دفعتني السعادة بأقصى طاقاتها ..
دفعتني بكل حركة لي و سكنة .. لم تهنأ نفسي حتى دخلت داري و أنا اتقدم بكل الشغف نحوها .. نحو زوجتي الغالية .. و التي فاجأتني بأنها فعلت المثل .. تلاقت عينانا و كل يحمل معه خبراً ساراً .. لا أعلم لم سبقتها مستبشراً :
- لدي مفاجأة لك .. انتظري هنا ..
خرجت فدخلت و أنا أدفع أمامي كرسياً مدولباً يحمل أبي .. أبي الذي هجرني بسبها .. لكن أصالة نفس (أماني) اشرقت لها وجها بلا تصنع .. جثت بين قدميه بعد أن قبلت رأسه بإجلال :
- أنت لي قرة عين ..
عجز لسانه عن النطق عندما أعجزه الشلل الرعاش .. لكن دموعه عبرت عن كل الندم .. و الأهم الفرحة بلم الشمل أخيراً مع سعادة افتقدها ..
أما هي فقد جذبتني لمفاجأتها .. دمعت فرحاُ .. تحركت شفتاها دون أن تنطق أو أفهم شيئاً .. تحركت شفتاها و لم أفهم سوى عبارة واحدة :
- أبشر .. أنا حامل ..
اللهم ارحم أبي و أدخله فسيح جناتك ..
اللهم أطل عمر أمي و أرضها عني ..
اللهم ارزقني بالزوجة الصالحة ..
أمين ..
إحسان
في 2\2\2007 م








said:



من مصر