لم يأبه ببرودة الجو وهو يخرج لشرفة منزله محتمياً بمعطفه المنزلي الثقيل .... ووقف يتطلع لزخات المطر التي انسابت في نعومة على الشجيرات الصغيرة ... وبدت له لحظتها السماء بسحبها المتناثرة وأنجمها المرتعشة وقد غاصت في حلكة الليل كأنما تبحث عن سنوات عمره التي خلت .... وتسأله أين أضاعها ؟ ....
نفس السؤال الذي لمحه في عينيها اليوم ....
كان يسير بين رواد معرض الكتاب الدولي في هدوء يتابع الأعمال المعروضة في غير اهتمام ...
وتذكر نفس هذا المكان منذ عدة سنوات حين أتت معه إلي هنا .....
كانت تتنقل بين أقسام المعرض في مرح وهي تخبره في حماس عن عملها المسرحي الأول الذي بدأت كتابته ... وأخذت تجمع له المعلومات من هنا وهناك ... وتشرح له فكرتها وهو مندهش لصعوبة الأفكار التي تتعرض لها ...
وفجأة توقف أمام دواوين الشعر , وضحك في خفوت حين تذكر أنها يومها ابتاعت ما يقرب من سبعة أعمال شعرية لنفس الشاعر .... وقرر أن يدخل ويبتاع أحد أعماله ليعرف ما الذي كان يجذبها إلي شعره هو بالذات ...
حمل الديوان الذي اختاره واستدار لينقض البائع ثمنه لكن استدارته المفاجئة مع الازدحام الشديد جعلته يصطدم بالفتاة التي كانت تقف خلفه فتسقط من يدها مجموعة الكتب التي كانت تحملها ...
انحني في سرعة ليجمع ما سقط منها ونهض يناولها إياه وهو يعتذر , لكن الكلمات توقفت بين شفتيه فجأة ووقف يتطلع إليها دون أن ينطق وكذلك فعلت هي .
بعد لحظة خفضت بصرها وهي تسحب كتبها من بين يديه وتعود لتنظر إليه وهو يسألها :
" كيف حالك ؟ ... "
ابتسمت في هدوء وقالت :
" الحمد لله ... كيف حالك أنت ؟... "
لم يجبها وهو يتطلع إليها ... إنها لم تتغير أبداً ...
نفس الفتاة المرحة , التي تهوى ارتداء الجينز مطلقةً شعرها الحالك ثائراً فوق كتفيها ...
لكنها ها هي قد استبدلت (البنطلون) الجينز برداء كامل من الجينز الكحلي ...
متحكمةً في ثورة شعرها بحجابها الوردي الأنيق ... وتضع على عينيها منظاراً طبياً صغيراً
أعطاها لمحة جديدة ...
" الحمد لله ... بخير .. " أجابها وهو يسير إلى جوارها كالأيام الخوالي ....
كأنما لم تمر سنوات على آخر لقاء لهما ... وكأنما لم يفارقها لحظة ...
و أعادته ضحكاتها لسنوات الدراسة التي تزاملا فيها .. التي كانت تملأها مرح وبسمات ..
تطلع إليها لحظة وقال فجأة :
" ما زلت تضحكين دائماً .... "
علت البسمة شفتيها وقالت :
" لم أستطع في أسوأ الظروف إلا أن أضحك ... أنا أحيا بالضحكات ... "
****** [أنا أحيا بالضحكات] ******
ترددت جملتها في ذهنه وهو يترك الشرفة متوجهاً لحجرة مكتبه , لكنه توقف قبل ذلك لحظات أمام مرآته متذكراً كلماتها :
" أنت لم يتغير بك شئ ... اللهم إلا بعض الشعيرات البيضاء التي داعبت سالفيك ... "
أخذ يعبث بأرفف مكتبته قليلاً قبل أن يخرج كتاباً صغيراً عليه إمضائها ... وتذكرها صباحاً وهي تقول :
" غداً ستقام ندوة عن تطور القصة القصيرة في العصر الحديث ... ولقد اختارت إدارة المعرض مجموعتي القصصية لتكون من الأعمال المكرمة .. "
سألها هو في فرحة :
" مجموعة [رسالة إليه] .. ؟ "
أجابت :
" نعم .. أتذكرها ؟! .. "
قال لنفسه وهو يقلب الكتاب بين يديه على ضوء مصباح مكتبه :
" بالطبع أذكر ... وكيف أنسى !! .. "
فتح أول صفحات الكتاب وقرأ إهدائها الذي خطته بيدها عليه ....
( إليك أنت يا باعث الروح في هذه السطور ...
لا تجعل الحياة تلهيك بهمومها عن نداء قلبك ... ودعه يتعلم كيف يحب فيوماً ستأتي لك الحياة بكل ما تشتهي , لكن خوفي عليك وقتها أن تعيشه وحدك ... دون رفيق .. )
قلب صفحات الكتاب وقرأ .... [ رسالة إليه ] ....
* [ رسالتي تلك ليست عتاب وملام علي ما فعلته بي ... بل على العكس , هي تفهم لموقفك وتصرفك وان كنت لا أوافقك عليه ..
لن ألومك على تخليك عني وعن حلم بيننا لم يكتمل لأسباب – في رأى – واهية ...
أتعرف لماذا ؟ لأن تلك هي طبيعتك ...
فوقت أن عرفتك لم يكن في قاموس حياتك مرادفاً لكلمة (حب) .. وكنت دائماً ترجئها لأجل غير مسمى , بحجة أنها عقبة في سبيل مستقبلك ...
لكن حين عرفتك أكثر وبدأت أفهمك – أقول بدأت لأنك لم تعطيني أو تعطي نفسك الفرصة لأكثر من ذلك – حينها بدأت أنا لأول مرة في حياتي أرى حلم الفارس والجواد الأبيض ....
أحسست فيك بذاك الفارس ... وأحسست أن على أن أساندك في حلمك ... فقد كان طموحك هو أول ما جذبني إليك وجعلني أعتقد أنك ستتفهم معني طموحي أنا أيضاً وتساندي فيه ... لكني فوجئت بعد فترة أن قلبك مازال موصداً دون الحب .... بحجة أنك تخاف أن يعوق مستقبلك ... وادعيت أن الصعوبات التي تواجه من في ظروفنا في بداية حياتهما كفيلة دائماً بإنهاء ما بينهما من حب . إنك تري أن الفارس صاحب الجواد الأبيض عليه أن يجوب الأرض باحثاً عن متاعها ليلقي به بين يدي فتاته ثم يأتي أيضاً فيخطفها ويطير ... هكذا ...
دون أن يكون لها هي أي دور في هذا الحلم ... كنت تتهمني بالرومانسية ...
وقد تكون بالفعل تهمة إن كانت خيالية كرؤيتك أنت لحلم الجواد الأبيض ....
لكن حلمي أنا كان واقعياً ... حلم كنا فيه معاً يد بيد ... لكنك توصلت إلى أن ذلك يقتل الحب !!!
وجدتك أيضاً تخشى من طموحي ... لماذا ؟ ... أتخشى أن أعلو به عليك ؟ ... من يدرى ! ...
وإن كان وحدث ... ما علاقة هذا بإحساسي بك ؟ ... إنك تشجعني على تحقيق أحلامي , لكنك في نفس الوقت تخشى تحققها ... فلماذا ؟ ...
إن كل امرأة مهما على شأنها هي في حاجة لرجل يحتويها ويشعرها بالأمان وبتفهم عقليتها .. وأن لها الحق في ألا تكون صورة له مكررة ... أو مشابهة ...
أيها الحائر العزيز ... إنك تعلم جيداً أن كل مخاوفك تلك ليس لها أساس من الصحة .. فاحرص على أن تبددها , وإلا ستمر بك السنوات وتحقق بها حلمك ... لكن ... وحيداً ...
أما أنا فسأمضى في طريقي ولن أتخلي عن طموحي ... ويوماً ما سأجد الرجل الذي يفهمني
ويقدر طموحي ... ويحتويني بحبه وحنانه ... فسلاماً أيها العزيز . ] *
كان يحكم إغلاق معطفه حول جسده وهو يتجه للقاعة المقامة بها الندوة وهو يتمتم في نفسه :
" كنت على حق ... "
قال في نفسه وهو يتابعها تناقش وتحاور ... وتجيب على أسئلة الحضور :
" نعم كنت مخطئاً ... إن فتاة مثلها قادرة على أن تساند حبيبها في أحلامه وتحقق أحلامها هي الأخرى ... فلم أنكرت عليها ذلك ؟! ... لم !! .... "
توجه إليها ليصافحها بعد الندوة وهو يرتب الكلمات في ذهنه ... كيف سيفاتحها ؟ ... كيف سيخبرها أنه لم يعرف فتاة كما عرفها .. ولم تكن إحداهن قريبة له كما كانت هي ؟ ...
نعم ... إنه سيطلب منها أن يحادثها وحدها ... ويخبرها أنه تراجع عن رأيه السابق وهي ستفهم مقصده وحدها ...
نعم .... مؤكد ستفهمه كما كانت دائماً تفهمه .... صافحها وهو يقول مهنئاً :
" ألف مبروك ... كنت تستحقينها ... "
ابتسمت في سعادة وأشارت إلى الشاب الذي بجوارها قائلة :
" أشكرك ... إنني لم أعرفك بخطيبي ... فلم يكن موجوداً بالأمس ... كان منشغلاً في الإعداد للندوة .. فهو ناشر قصصي كما تعلم ... "
صافحه مهنئاً ... وخرج ..
خرج ليواجه أمطار يناير التي تمضي في الطرقات لتعطيها بريقاً هادئاً وتزيد من اخضرار الشجر ... وابتسامة ساخرة على شفتيه تتسع ... وتتسع حتي تخرج ضحكة عالية .... وهو يدخل حجرة مكتبه ويمسك بقصتها ....
ويسطر بقلمه إلى جوار عنوانها عبارة .... [ حلم الجواد الأبيض ]
***************************








said:

said:



من المغرب